الفتال النيسابوري
170
روضة الواعظين وبصيرة المتعظين
إنّه لمّا أخذني الطلق واشتدّ بي الأمر سمعت جلبة « 1 » وكلاما لا يشبه كلام الآدميين ، ورأيت علما من سندس على قضيب من ياقوته قد ضرب بين السماء والأرض ، ورأيت نورا يسطع من رأسه حتّى بلغ السماء ، ورأيت قصور الشامات كأنّها شعلة نار « 2 » ، ورأيت حولي من القطاة أمرا عظيما ؛ قد نشرت أجنحتها حولي ، ورأيت شعيرة الأسديّة قد مرّت وهي تقول : آمنة ! ما لقيت الكهّان والأصنام من ولدك ؟ ! ورأيت رجلا شابّا من أتمّ الناس طولا ، وأشدّهم بياضا وأحسنهم ثيابا ما ظننته إلّا عبد المطّلب قد دنا منّي ، فأخذ المولود فتفل في فيه ، واستنطقه فنطق ، فلم أفهم ما قال إلّا أنه قال : في أمان اللّه وحفظه وكلاءته ، قد حشوت قلبك إيمانا وعلما وحلما ويقينا وعقلا وشجاعة ، أنت خير البشر ، طوبى لمن اتّبعك ، وويل لمن تخلّف عنك ، ثمّ أخرج صرّة من حريرة بيضاء ، ففتحها فإذا فيها خاتم ، فضرب على كتفه « 3 » ، ثمّ قال : أمرني ربّي أن أنفخ فيك من روح القدس ، فنفخ فيه ، وألبسه قميصا وقال : هذا أمانك من آفات الدنيا ؛ فهذا ما رأيت يا عبّاس . [ 177 ] 3 - قال - يعني العباس - : وأنا يومئذ أقرأ ، فكشفت « 4 » عن ثوبه فإذا خاتم النبوّة بين كتفيه ، فلم أزل أكتم شأنه وأنسيت « 5 » الحديث ، فلم أذكره إلى يوم
--> ( 1 ) جلبة : هي الأصوات ( النهاية ) . ( 2 ) زاد في المخطوط : « نورا » . ( 3 ) في المخطوط : « كتفيه » بدل « كتفه » . ( 4 ) في المخطوط : « فكشف » بدل « فكشفت » . ( 5 ) في المخطوط : « وآنست » بدل « وأنسيت » .